الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
470
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الثلاثة مانعا لانعقاد الإجماع موهون جدا إذ الاختلاف الواقع في ذلك كالاختلاف الحاصل بين المجتهدين في تعيين الأدلة حيث لا يمنع أحد من أجل ذلك من الرجوع إلى غيره نعم ربما وقع في البين خلاف لبعض القاصرين في جواز الرجوع إلى علمائنا المجتهدين لشبهات واهية عرضت لهم وليسوا من يعتد بشأنهم في مقابلة أولئك الأعلام ليكون خلافهم ناقضا لإجماعهم فإن قلت إن ما ذكر لا يجدي فيما نحن من المعرفة بتكليف المتجزي إذ لا إجماع على جواز رجوعه إلى المطلق بل الأشهر خلافه وقيام الإجماع على حجية ظن المطلق في شأن نفسه وشأن من يقلده من العوام غير مقيد في شأنه فلا بد له إذن من الرجوع إلى الظن ويتم الاحتجاج المذكور بالنسبة إليه والقول بقضاء الأصل بعدم حجية الظن فيقتصر فيما دل على خلافه على المقدار المعلوم مدفوع فإن قضى الأصل الأولى بعدم حجية الظن في شأنه فقد قضى أيضا بعدم جواز رجوعه إلى التقليد والأخذ بقول الغير فلا وجه لترجيح الثاني بل نقول إنه لا بد من ترجيح الأول نظرا إلى الدليل المذكور إذ بعد دوران أمره بين أمرين مخالفين للأصل وعدم دليل قطعي على شيء منهما لا بد من البناء على الظن والأخذ بمقتضاه لكونه الأقرب إلى العلم فيتعين البناء عليه بعد انسداد سبيل العلم والقطع ببقاء التكليف فلا وجه للأخذ بالتقليد وأيضا لو دار أمره بين تقليد العالم بالحكم والأخذ بالظن لربما أمكن القول بتعادلهما وأما لو دار بين الأخذ بالظن وتقليد الظان فلا ريب في تقديم الأول إذ ليس فيه مخالفة للأصل لا من جهته إلا من جهة الاتكال على الظن بخلاف الثاني لمخالفته للأصل من جهتين نظرا إلى اتكاله على الظن وعلى فهم الغير فالاتكال على الظن مشترك بين الوجهين ويزيد الثاني بالأخذ بفهم الغير ودعواه قلت لما انقسم الناس في حكم الشرع إلى قسمين عالم بالأحكام ومستنبط لها عن مداركها ومتعلم أخذ بقول ذلك العالم كان العلم بالأحكام عن أدلتها مطلوبا من ذلك العالم دون غيره وحينئذ فإذا فرض انسداد باب العلم بالنسبة إليه مع القطع ببقاء التكليف قضى ذلك بالانتقال إلى الظن في الجملة وحينئذ فإن لم يكن هناك ترجيح بين الظنون قضى ذلك بحجية الجميع لاستحالة الترجيح مع انتفاء المرجح فتكون القضية المهملة المذكورة بعد ملاحظة ذلك كلية وأما إذا كان هناك دليل قطعي على حجية بعضها وقيامه مقام العلم في استنباط الأحكام كان ذلك مرجحا بين الظنون ولم يكن المستفاد من المذكور جواز الاستناد إلى غيره فينطبق القضية المهملة المستفادة من العقل على ذلك وحينئذ نقول إذا قام الإجماع على قيام الظن الحاصل بعد تحصيل الملكة التامة والقدرة الكاملة على استنباط الأحكام الشرعية وإعمال تلك الملكة على حسب الوسع والطاقة مقام العلم وتنزيله منزلته قضى ذلك بكون ما دل عليه العقل من قيام الظن في الجملة مقام العلم هو حصول الظن المفروض إذ لا يستفاد حينئذ من المهملة المذكورة ما يزيد عليه فيكون وظيفة العالم بعد انسداد سبيل العلم هو تحصيل الظن المفروض بتحصيله الملكة المفروضة وإعمالها في البحث عن الأدلة على حسب وسعه ويكون وظيفة المتعلم هو الرجوع إليه وهذا كله ظاهر في حكم العقل بعد التأمل فيما يقتضيه الدليل المذكور إذا تقرر ذلك وتفرع عليه أن يكون وظيفة المتجزي الرجوع إلى العالم المذكور دون ظنه الحاصل عن ملاحظة الأدلة فليس المقصود عن جعل الاحتجاج على حجية الظن المطلق مرجحا في المقام إلا إثبات كون المرجع حال انسداد باب العلم هو الظن المذكور وأنه القائم مقام العلم من غير ملاحظة لخصوص المتجزي وغيره فعدم قيام الإجماع على خصوص المتجزي على جواز رجوعه إلى العالم المفروض لا ينافي ما قررنا إذ يتفرع على ما ذكر أن تكليف المتجزي في حكم العقل هو ما ذكرناه وإن لم يقم إجماع على جواز رجوعه إلى التقليد والأخذ بقول الغير فإن قلت لو كان حكم العقل بكون المناط في التكليف هو الظن المذكور من جهة إدراكه أن ذلك هو المطلوب في الشريعة والحجة بعد انسداد باب العلم دون غيره تم ما ذكر من غير إشكال وأما إذا كان حكمه به من جهة عدم قيام دليل عنده على جواز الرجوع إلى غير الظن المذكور فيحكم بوجوب الأخذ به من جهة قيام الدليل على حصول البراءة به دون غيره فلا يتفرع عليه حكم المتجزي إذ كما لم يقم دليل قطعي على رجوعه إلى ظنه فليس في رجوعه إلى العالم المفروض أخذ باليقين لدوران تكليفه في بادي الرأي بين الأمرين فكيف يصح القول بكون تكليفه في حكم العقل هو الظن المفروض لزمه الحكم بوجوب تحصيله في حصول البراءة وأن ذلك لعدم قيام الدليل على الاكتفاء بغيره إذ حينئذ يكون الظن المعتد به في ظاهر الشريعة هو ذلك دون غيره فإذا لم يقم دليل على تنزيل غيره من الظنون منزلة العلم لزمه الحكم بعدم قيامه مقامه لما دل من القاعدة على عدم الاكتفاء بالظن فإذا كان الظن المذكور في ظاهر التكليف منزلا منزلة عدمه كان قضية الأدلة القطعية الدالة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم وجوب رجوع الظان المذكور إلى العالم المفروض فالمقصود مما قررنا هو إدراج الظان المذكور بحكم العقل في عنوان الجاهل لا يقال إنه كما قضى أصالة عدم حجية الظن بعدم حجية ظنه وإدراجه في عنوان الجاهل كذا يقضي أصالة عدم جواز التقليد إدراجه في العالم لأنا نقول إنه من الظاهر أن ما دل على المنع من التقليد إنما هو في شأن العالم وأما الجاهل فليس وظيفته إلا التقليد إجماعا فإذا شك في اندراج المتجزي تحت العالم أو الجاهل كان مشكوك الاندراج تحت ما دل على المنع من التقليد فلا يمكن الاستناد إليه في المقام على أنه لو سلم شمول ما دل على المنع من التقليد لمجهول الحال فإنما يدل على المنع بالنسبة إليه من حيث إنه مجهول فلا يدل على اندراجه تحت العالم فلا يعارض ذلك ما دل على اندراجه في الجاهل فيجب عليه التقليد بخروجه بذلك عن الجهالة المأخوذة فيما يستفاد من الأول مضافا إلى ما قد يقال من أنه مع عدم قيام الدليل على حجية ظنه وجواز عمله به يندرج في عنوان الجاهل بالوجدان إذ المفروض جهله بالحكم فيجب عليه التقليد من غير حاجة إلى الاحتجاج عليه بعموم ما دل على المنع بالظن ولا يعارضه حينئذ ما دل على المنع من التقليد إذ بعد اندراجه في عنوان الجاهل لا يشمله تلك الأدلة قطعا ومما قررنا ظهر اندفاع الوجوه المقررة في وجوه الإيراد ثالثها أن انسداد باب العلم والعلم ببقاء التكليف إنما يقضي بجواز العمل بالظن أنه مكلف به في ظاهر الشريعة لا ما ظن أنه كذلك بحسب الواقع كما هو ملحوظ المستدل توضيح ذلك أنه بعد العلم بوقوع التكاليف